الشيخ الطبرسي
789
تفسير جوامع الجامع
يُكَابِدُ منْهُم ما يُكَابِدُ ، والمعنى : أَيَظُنُّ هذا المُتَعزِّزُ القَويُّ في قَومِهِ ( أنْ لَّنْ يَقْدِرَ ) على الانتقامِ منْهُ وعلى مكَافَأَتِهِ أَحَدٌ ؟ ( يَقُولُ أهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً ) كَثيراً ، يُريدُ : كَثْرَةَ ما أَنْفَقَهُ فيما كانُوا يُسَمُّونَها مَكَارِمَ الأَخلاقِ . ( أَيَحْسَبُ أنْ لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ ) حينَ كانَ يُنْفِقُ ما يُنْفِقُ رِيَاءَ النَّاسِ ؟ يعني : أنَّ اللهَ كانَ يَراهُ ، وقيلَ : هو أَبو الأَشَدِّ ، رَجُلٌ من جُمَح وكانَ قويّاً ، بحيثُ يَقِفُ على أَديم عُكَاظِيٍّ فَيَجُرُّهُ العَشْرَةُ من تَحْتِهِ فيُقْطَعُ ولا يَبْرَحُ من مكَانِهِ ( 1 ) . ( أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ) يُبْصِر بِهِما المَرِئيَّاتِ . ( وَلِسَاناً ) يُتَرجِم بهِ عَمَّا في ضَميرِهِ ( وَشَفَتَيْنِ ) يُطْبِقُ بِهِما على فيهِ ، ويَستَعينُ بِهِما على النُّطْقِ والأَكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذلك . ( وَهَدَيْنَهُ الْنَّجْدَيْنِ ) أي : طَريقَيْ الخَيْرِ والشَّرّ ، وقيلَ : الثَّدْيَيْنِ ( 2 ) . ( فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) أي : فَلَمْ يَشْكُر تلكَ الأَيادِي والنِّعَم بِالأَعمالِ الصَّالحةِ من : فَكِّ الرِّقَابِ ، وإطْعامِ اليَتَامى والمَسَاكينِ ، مع الإِيمانِ الذي هو أَصْلُ كلِّ طَاعَة ، وأَسَاسُ كلِّ خَيْر ، بَلْ غَمَطَ النِّعَمَ وكَفَرَ بالمُنْعِمِ ؟ والمعنى : أنَّ الإِنْفَاقَ على هذا الوَجْهِ هو الإِنْفَاقُ النَّافِعُ المُرْضِيُّ عنْدَ اللهِ ، لا أَن يُهْلِكَ مالاً لبداً في الرِّياءِ والْفَخَارِ . وقَولُهُ : ( ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ) يَدُلُّ على أنَّ المعنى : فَلاَ اقتَحَمَ العَقَبَةَ ولا أَمِنَ ، والاقتِحَامُ : الدُّخُولُ بشِدَّة ومَشَقَّة ، والقُحْمَةُ : الشِّدَّةُ ، وجَعَلَ سبحانَهُ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ عَقَبَةً ، وعَمَلَها اقْتِحَاماً لَهَا لِمَا في ذلك من معانَاةِ الشِّدَّةِ ومُجَاهَدَةِ النَّفْسِ ، وعنِ الحَسَنِ : عَقَبَةٌ واللهِ شَديدَةٌ : مُجَاهَدَةُ الإِنْسانِ نَفْسَهُ وهَوَاهُ وعَدُوَّهُ الشَّيطان ( 3 ) . وفَكُّ الرَّقَبَةِ : تَخْليصُها مِنْ رِقٍّ أَو غَيْرِهِ . وقُرِئَ : " فَكَّ رَقَبَةً
--> ( 1 ) قاله ابن عباس في تفسيره المتقدّم . ( 2 ) قاله ابن عباس والضحاك . راجع تفسير الطبري : ج 12 ص 592 . ( 3 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 756 .